رسالة طلاق وفقدان ذاكرة
حين استيقظت سلمى، كان كل شيء حولها أبيض. سقف أبيض، جدران بيضاء، ستائر بيضاء، وحتى الأجهزة المحيطة بها كانت بيضاء. صوت رتيب يصدر من جهاز قريب منها، ورائحة معقم تملأ أنفها. حاولت النهوض فشعرت بألم حاد في رأسها.
رفعت يدها الضعيفة إلى جبهتها فوجدت ضمادة سميكة. حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا، لكن عقلها كان فارغًا كلوحة بيضاء. آخر ما تذكرته كان خروجها من مكتبها في المجلة الأدبية التي تعمل بها.
انفتح باب الغرفة ودخل رجل يرتدي معطفًا أبيض. ابتسم لها برفق وتحدث بصوت هادئ.
قال الدكتور شوقي: الحمد لله على سلامتك، سلمى. أنا الدكتور شوقي. لقد استيقظت أخيرًا.
أرادت سلمى أن تسأل ما الذي حدث، لكن حلقها كان جافًا، فناولها الطبيب كوبًا من الماء وأخبرها: لقد تعرضت لحادث سيارة. ارتطمت رأسك بقوة وفقدت الوعي لثلاثة أيام.
ارتسمت علامات الصدمة على وجهها. سألت بصوت متهدج: ثلاثة أيام؟!
أومأ الطبيب برأسه وقال: نعم، زوجك بالخارج، لم يغادر المستشفى منذ وصولك. هل تريدين رؤيته؟
تساءلت سلمى بتردد: زوجي؟
نظر إليها الطبيب بقلق وسألها: نعم، ياسر. ألا تتذكرينه؟
هزت رأسها نافية وقالت: أذكر اسمه، لكن ملامحه... تبدو ضبابية.
قطّب الدكتور شوقي جبينه وطمأنها: هذا متوقع. لقد أصبت بفقدان ذاكرة مؤقت نتيجة الارتجاج. لا تقلقي، ستعود ذاكرتك تدريجيًا.
بعد فحص سريع، سمح الطبيب لياسر بالدخول. دخل رجل طويل القامة، عيناه حمراوان من قلة النوم، وجهه شاحب. حين رآها، ارتسمت ابتسامة متعبة على وجهه وهرع نحوها.
صاح ياسر بفرح: سلمى... الحمد لله على سلامتك!
شعرت سلمى بشيء غريب حين اقترب منها. نعم، هي تعرفه، لكن شيئًا ما كان مفقودًا. التفاصيل العاطفية، الذكريات المشتركة، كلها كانت هناك كظلال باهتة.
اعتذرت له بصوت خافت: آسفة يا ياسر، لكني لا أتذكر الكثير الآن.
أمسك بيدها وضغط عليها برفق وقال: لا عليك، المهم أنك بخير. ستتذكرين كل شيء قريبًا.
في اليوم التالي، سُمح لسلمى بالعودة إلى المنزل. كان ياسر يقود السيارة ببطء، يسرد لها ذكريات عن حياتهما معًا، كيف التقيا في معرض كتاب قبل خمس سنوات، كيف وقعا في الحب، وكيف تزوجا بعد ستة أشهر من لقائهما الأول.
قال ياسر مبتسمًا: كنت تكتبين مراجعة لأحد الكتب لمجلتك، وأنا كنت أبحث عن كتاب لأختي. التقت أعيننا عبر رفوف الكتب، وبقية القصة... تعرفينها.
سلمى ابتسمت. كانت محاولاته لاستعادة ذاكرتها لطيفة، لكنها لم تستطع الشعور بالاتصال الوجداني مع هذه القصص. كانت مثل قصص حدثت لشخص آخر.
عند وصولهما إلى المنزل، شعرت سلمى بألفة غريبة مع المكان. سألت فجأة: مكتبي، أين هو؟
أجابها ياسر: في الغرفة الثانية على اليمين. هل تتذكرين؟
هزت رأسها وقالت: ليس تمامًا، لكنني أشعر أنه مكان مهم بالنسبة لي.
طمأنها ياسر قائلًا: بالطبع، إنه مملكتك الخاصة. أنا لا أدخلها إلا بإذنك. هناك تكتبين رواياتك ومقالاتك.
سألته بدهشة: أنا أكتب روايات؟
ابتسم ياسر وأكد لها: نعم، ولديك روايتان منشورتان والثالثة قيد الكتابة. كنت متحمسة جدًا بشأنها قبل الحادث.
توجهت سلمى إلى المكتب، تحدوها رغبة قوية لاكتشاف جزء من نفسها. فتحت الباب وشعرت بالراحة فور دخولها. مكتب خشبي كبير، رفوف كتب تغطي الجدران، ومكتبة صغيرة في الزاوية.
جلست على المقعد وراقبت بعينيها كل تفصيل في الغرفة. على المكتب، كان هناك حاسوب محمول مغلق، وبجانبه دفتر ملاحظات. فتحت الدفتر ببطء وبدأت تقلب صفحاته.
أحست بقشعريرة حين وقعت عيناها على صفحة كُتب في أعلاها "مسودة رسالة". وتحتها، بخط يدها، كانت الكلمات:
"ياسر، بعد تفكير طويل، أطلب منك الطلاق. لقد حاولت أن أتجاهل الأمر، لكنني لا أستطيع الاستمرار. أرجو أن تتفهم قراري..."
توقفت عن القراءة، قلبها يخفق بشدة. لماذا كتبت هذه الرسالة؟ ما الذي حدث بينهما لتصل إلى هذه النقطة؟
أغلقت الدفتر بسرعة حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. كان ياسر يحمل كوبًا من الشاي.
سألها بلطف: هل تشعرين بتحسن؟
ابتسمت بتوتر وردت: نعم، شكرًا.
وضع الكوب أمامها وقال مطمئنًا: سأتركك وحدك لترتاحي. أنا في غرفة المعيشة إذا احتجت أي شيء.
بمجرد خروجه، فتحت الدفتر مرة أخرى. قرأت الرسالة كاملة، لكنها لم تجد سببًا محددًا للطلاق. هناك إشارات غامضة لـ "خيانة الثقة" و"الأكاذيب المستمرة"، لكن دون تفاصيل.
مرت الأيام التالية وسلمى منقسمة بين محاولة استعادة ذاكرتها وفهم سبب كتابتها لرسالة الطلاق. كان ياسر لطيفًا، حنونًا، يبذل قصارى جهده لمساعدتها. لكن كلما ازداد لطفه، زادت حيرتها بشأن الرسالة.
بدأت تراقب تصرفاته، تبحث عن أي إشارة للخداع. تفحصت هاتفه سرًا ذات ليلة بينما كان نائمًا، لكنها لم تجد شيئًا مريبًا. فتشت أدراج مكتبه، خزانة ملابسه، حتى محفظته. لا شيء.
في المساء السابع بعد عودتها من المستشفى، كانا يتناولان العشاء معًا حين قررت المواجهة.
سألته فجأة: ياسر، هل كنا نمر بمشاكل قبل الحادث؟
توقف عن الأكل ونظر إليها وسألها بدوره: مشاكل؟ لا أعتقد ذلك. كان كل شيء على ما يرام، لماذا تسألين؟
ترددت للحظة ثم اعترفت: لقد وجدت شيئًا في دفتر ملاحظاتي.
شعرت بتوتره وهو يسأل: ما هو؟
قالت متوترة: رسالة... أطلب فيها الطلاق.
صمت للحظات قبل أن يستجمع نفسه وقال بدهشة: رسالة طلاق؟ هذا غريب. لم نناقش الطلاق أبدًا.
أكدت له: لكنها بخط يدي، كتبتها قبل الحادث بيومين حسب التاريخ.
تنهد ياسر وقال بصدق: سلمى، أقسم لك أننا لم نكن نعاني من أي مشاكل كبيرة. نعم، كان لدينا خلافاتنا العادية مثل أي زوجين، لكن لم يكن هناك شيء يستدعي الطلاق.
نظرت في عينيه، تبحث عن الحقيقة وقالت: الرسالة تذكر خيانة ثقة وأكاذيب.
بدا وجهه شاحبًا وقال مستغربًا: خيانة ثقة؟ أكاذيب؟ لا أعرف عن ماذا تتحدثين.
في تلك الليلة، لم تستطع سلمى النوم. كانت الكلمات المكتوبة بخط يدها تطاردها. هل كان يخدعها؟ هل كان يستغل فقدانها للذاكرة ليبدأ من جديد؟ أم أنها كانت مخطئة؟
قررت زيارة المجلة في اليوم التالي. ربما زملاؤها يعرفون شيئًا.
عند وصولها، استقبلها الجميع بحفاوة وترحيب. سارة، صديقتها المقربة ورئيسة التحرير، احتضنتها بدموع.
قالت سارة بصوت متأثر: سلمى، كنا قلقين عليك! كيف حالك الآن؟
أخبرتها سلمى عن فقدان الذاكرة، وقررت مصارحتها بشأن الرسالة. استمعت سارة باهتمام، ثم قالت مستغربة: غريب، لم تذكري أبدًا أي مشاكل مع ياسر. بالعكس، كنت دائمًا تثنين على علاقتكما.
سألتها سلمى بتردد: حقًا؟
أكدت سارة: نعم، قبل الحادث بأسبوع، كنا نحتفل بعيد ميلاد مها، وتحدثت عن مفاجأة تحضرينها لياسر بمناسبة ذكرى زواجكما الخامسة.
شعرت سلمى بالارتباك. شيء ما لا يتطابق.
عندما عادت إلى المنزل، وجدت ياسر في المطبخ يعد الغداء. عندما رآها، ابتسم وسألها: كيف كان يومك؟
أجابته: جيد. التقيت بسارة وزملائي في المجلة.
سألها بلهفة: رائع! هل تذكرت أي شيء جديد؟
هزت رأسها وقالت: ليس كثيرًا. لكن سارة أخبرتني أنني كنت أحضر مفاجأة لذكرى زواجنا.
توقف عن تقطيع الخضروات وقال: نعم، كنت متحمسًا لمعرفة ما هي. لكن ثم وقع الحادث...
جلست سلمى على الكرسي، غارقة في الأفكار. الرسالة، الخيانة المزعومة، ثم الحديث عن مفاجأة لذكرى الزواج. لا شيء يتطابق.
قالت بحزم: ياسر، أريد أن أرى حاسوبي المحمول.
نظر إليها بدهشة وقال: بالطبع، إنه في مكتبك.
في مكتبها، فتحت الحاسوب وبحثت في الملفات. وجدت مجلدًا باسم "الرواية الجديدة". فتحته لتجد عشرات الملفات، مسودات، ملاحظات، أبحاث.
فتحت أحد الملفات وبدأت بالقراءة. كانت رواية عن امرأة تدعى سماح، تكتشف خيانة زوجها لها، وتقرر مواجهته برسالة طلاق. كانت الرسالة في الرواية مطابقة تمامًا للرسالة التي وجدتها في دفتر ملاحظاتها.
شعرت بموجة من الارتياح والحرج في آن واحد. لقد كانت الرسالة جزءًا من روايتها، وليست حقيقية. كانت تكتب مسودة أولية في دفتر ملاحظاتها قبل نقلها إلى الحاسوب.
حين أخبرت ياسر، ضحك بارتياح وقال: الحمد لله! كنت قلقًا طوال الأسبوع الماضي. كنت أتساءل ما الذي فعلته ليجعلك تفكرين في الطلاق.
سألته باستغراب: لماذا لم تخبرني أنني أكتب رواية عن الخيانة الزوجية؟
تنهد وأجابها: لم أكن أعرف تفاصيل روايتك. أنت دائمًا تفضلين الاحتفاظ بمفاجأة النهاية، حتى بالنسبة لي.
تذكرت سلمى شيئًا وسألته: المفاجأة التي كنت أعدها لذكرى زواجنا، هل تعرف ما هي الآن؟
هز رأسه نافيًا.
في تلك الليلة، استلقت سلمى في السرير، تفكر في الأيام السبعة الماضية. شيء ما كان يتحرك في أعماق ذاكرتها، يحاول الظهور.
فجأة، قفزت من السرير متجهة إلى خزانة ملابسها. فتحت الدرج العلوي وبحثت تحت الملابس حتى وجدت مغلفًا أزرق. فتحته لتجد تذكرتي سفر إلى مراكش، بتاريخ يصادف ذكرى زواجهما بعد أسبوعين.
هرعت إلى ياسر الذي كان في غرفة المعيشة وصاحت بفرح: وجدتها! المفاجأة!
نظر إلى التذاكر بدهشة وسألها: مراكش؟
أكدت له بحماس: نعم! كنت سأفاجئك برحلة إلى مراكش في ذكرى زواجنا!
احتضنها بقوة، وشعرت للمرة الأولى منذ استيقاظها في المستشفى بألفة حقيقية معه.
في الأسابيع التالية، بدأت ذاكرة سلمى تعود تدريجيًا. كانت تتذكر لحظات من حياتهما معًا، ضحكاتهم، خلافاتهم البسيطة، حبهما. وأكملت روايتها، لكن بنهاية مختلفة. بدلاً من أن تترك سماح زوجها، تكتشف أن شكوكها كانت في غير محلها، وأن الخيانة المزعومة كانت سوء فهم.
في مساء ذكرى زواجهما، وهما يقفان على شرفة غرفتهما في فندق بمراكش، وضعت سلمى رأسها على كتف ياسر وقالت بتأمل: أتعلم، أحيانًا نكتب قصصًا عما نخافه أكثر مما نرغب فيه.
ابتسم وقبّل جبينها وقال بحنان: ولهذا أحب رواياتك، تكتبين بصدق عن مخاوفنا العميقة.
قالت بصوت هادئ: هل تعرف؟ الحادث علمني شيئًا: الذاكرة قد تخوننا، لكن القلب لا يخون.
في تلك اللحظة، تذكرت سلمى لحظة كتابتها لرسالة الطلاق في روايتها. كانت تشعر بالخوف العميق من فقدان الحب، من اكتشاف الخيانة، من انهيار العلاقة. كانت تُسقط مخاوفها على شخصية سماح، لكنها في الواقع كانت تبحث عن خلاصها الخاص من هذه المخاوف.
همس ياسر في أذنها: مهما نسيت، سأذكرك دائمًا بمن أنت، وبمن نحن معًا.
ابتسمت سلمى وهي تنظر إلى أضواء مراكش وساحة جامع الفنا. أحيانًا، نكتب قصصًا لفهم أنفسنا، ونخلق ظلالًا لمواجهة مخاوفنا. وفي بعض الأحيان، نحتاج إلى أن ننسى، لكي نتذكر ما هو مهم حقًا.
