هل تؤمن بالصدف، أم أن القدر ينسج خيوطه حولنا قبل أن نولد؟ إذا كنت تبحث عن قصص قبل النوم تأخذك إلى عالم من الخيال والغموض، فإن قصة 'قصر ويلشير' هي وجهتك المثالية. تبدأ أحداث هذه القصة المشوقة بوصول (سلمى) إلى قصر قديم بحثاً عن الهدوء لتكمل أبحاثها التاريخية، لكنها تجد نفسها في مواجهة مع رسائل غامضة وحلقة زمنية مرعبة لا يمكن الفكاك منها.
تعتبر هذه القصة من أجمل قصص الرعب المكتوبة التي تمزج بين إثارة الغموض ودراما الصراع النفسي. اكتشف معنا سر 'س. الأخرى' وماذا وجدته سلمى في الصندوق المخملي الأحمر. استعد لرحلة فريدة في عالم الروايات القصيرة التي ستجعلك تعيد التفكير في كل مرآة تنظر إليها!
رسائل من خلف الزمن:
الفصل الأول: الوصول
الباب الخشبي أطلق أنينًا حادًا حين دفعته سلمى بكتفها. رائحة العفن والورق القديم انسابت من الداخل، ثقيلة كالضباب. وقفت على العتبة، حقيبتها الجلدية تتأرجح في يدها، بينما عيناها تتفحصان الردهة الطويلة الغارقة في الظلام. ثريا نحاسية ضخمة تتدلى من السقف، بلوراتها المتسخة تعكس ضوءًا خافتًا يشبه الهمسات.
مرحبًا بك في قصر ويلشير، آنسة الجابري.
صوت السيدة مارغريت جاء من خلفها، جاف كأوراق الخريف المتساقطة. كانت امرأة في السبعينيات، ظهرها منحنٍ قليلًا، ترتدي فستانًا رماديًا يصل إلى كاحليها. وجهها شبكة من التجاعيد، لكن عينيها كانتا يقظتين، تراقبان سلمى بفضول غريب.
شكرًا لك. همست سلمى، تشد معطفها حول جسدها. البرد هنا لم يكن عاديًا، كان رطبًا يتسلل عبر الملابس ليستقر في العظام.
مارغريت تقدمت بخطوات بطيئة، عصاها تنقر على البلاط المرمري المتشقق. الحجرة 304 في الطابق الثالث، كما طلبتِ. لكن... توقفت، التفتت بنصف جسدها، وعلى وجهها ظلال لا تحملها الإضاءة الخافتة. هل أنتِ متأكدة؟
متأكدة من ماذا؟
من تلك الحجرة بالذات.
سلمى ابتسمت ابتسامة مهنية. قرأتُ أن فيها أفضل إطلالة على الحديقة الشرقية. وأحتاج الهدوء للعمل على المخطوطات.
مارغريت لم ترد. أدارت ظهرها وسارت، عصاها تنقر، نقرة واحدة لكل درجة في السلم الحلزوني الضيق. سلمى تبعتها، حقيبتها تصطدم بركبتيها عند كل خطوة. اللوحات الزيتية على الجدران كانت لوجوه شاحبة، عيونها تتبعها، أو هكذا بدا لها.
حين وصلتا إلى الطابق الثالث، توقفت مارغريت أمام باب خشبي منقوش بزخارف نباتية باهتة. أخرجت مفتاحًا نحاسيًا من جيبها، أدخلته في القفل. نقرة. استدارة. صرير.
إفطارك الساعة الثامنة صباحًا في قاعة الطعام. لا تتجولي في الممر الشرقي ليلًا. قالتها مارغريت دون أن تنظر إليها.
لماذا؟
لأنني أطلب منك ذلك.
ثم تركتها. نقرة العصا ابتعدت، وابتلعها الظلام.
الفصل الثاني: الرسالة الأولى
الحجرة كانت أكبر مما توقعت. سرير بأعمدة خشبية ملفوفة بستائر مخملية داكنة، مكتب قديم أمام نافذة عريضة تطل على حديقة برية مهجورة، ومرآة ضخمة مغطاة بقماش أبيض في الزاوية.
سلمى أشعلت المدفأة بصعوبة، وضعت حقيبتها على الكرسي، وأخرجت دفترها الجلدي ومخطوطاتها. كانت تبحث في تاريخ الطب الشعبي الفيكتوري، ورسائل قديمة لطبيبة تدعى ليديا ثورن عاشت في هذا القصر قرنًا مضى.
استلقت على السرير بملابسها، التعب يثقل جفنيها. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كانت تسمع أصواتًا: صرير الخشب، صفير الريح خارج النافذة، وشيء آخر... كالهمس البعيد.
في الصباح، حين استيقظت وفتحت الباب لتخرج، وجدتها.
ورقة بيضاء مطوية بعناية، على أرضية الممر مباشرة أمام عتبتها. التقطتها بأصابع مرتعشة قليلًا. الخط كان أنثويًا، متقنًا، مكتوبًا بحبر أسود:
عزيزتي سلمى،
لا تفتحي المرآة المغطاة في حجرتك.
لا تدخلي الممر الشرقي بعد منتصف الليل.
لا تفتحي الصندوق المخملي الأحمر في العلية.
— س. الأخرى
قلبها خفق بقوة. نظرت حولها. الممر فارغ. لا أحد. أغلقت الباب خلفها بسرعة، ظهرها يستند إليه، صدرها يعلو ويهبط.
مزحة سخيفة. همست لنفسها.
لكن يديها كانتا ترتجفان حين طوت الورقة ووضعتها في جيبها.
الفصل الثالث: س. الأخرى
الأيام التالية جلبت المزيد من الرسائل.
كل صباح، ورقة جديدة تحت الباب. التفاصيل كانت تزداد إزعاجًا:
ستسكبين الشاي على مخطوطة ليديا اليوم. احذري.
وقد حدث. انزلقت يدها، الكوب سقط، والسائل البني البارد انسكب على حافة الورقة القديمة. مسحته بسرعة، قلبها يدق بعنف.
ستسمعين خطوات في الممر الساعة 2:47 فجرًا. لا تفتحي الباب.
استيقظت في تلك الساعة بالضبط. خطوات واضحة، بطيئة، تمر أمام حجرتها. توقفت. ثم ابتعدت. لم تفتح الباب.
ستجدين صورة في العلية. لا تذهبي.
لكنها ذهبت.
العلية كانت مليئة بالصناديق المتربة، ورائحة الفئران الميتة، وأشعة الشمس الخافتة تتسلل من كوة صغيرة في السقف. في الزاوية، وجدت إطارًا خشبيًا مغطى بقماش. نزعته.
تجمدت.
الصورة كانت بالأبيض والأسود، امرأة ترتدي فستانًا فيكتوريًا طويلًا، تقف أمام نفس المرآة المغطاة في حجرتها. وجهها... وجهها كان وجهها. نفس الأنف، نفس الشفتين، نفس العينين الواسعتين.
في أسفل الإطار، نقش نحاسي:
سلمى ثورن، 1873 - 1874
الإطار سقط من يديها.
الفصل الرابع: الممر الشرقي
تلك الليلة، لم تستطع النوم. جلست على حافة السرير، الرسائل منثورة أمامها، الصورة ملقاة على المكتب. كل شيء كان يصرخ بأنها يجب أن ترحل. لكن شيئًا ما أقوى من الخوف كان يمسك بها. فضول، هوس، أم شيء آخر؟
الساعة 12:30 صباحًا.
نهضت، ارتدت معطفها، وفتحت الباب.
الممر الشرقي كان مختلفًا عن باقي القصر. الجدران هنا كانت خضراء داكنة، والأرضية مفروشة بسجاد أحمر بالٍ. مرايا ضخمة على الجانبين، مغطاة جميعها بأقمشة بيضاء. مصابيح الغاز معطلة، والظلام كثيف.
خطوة. خطوتان. صدى حذائها يرتد من الجدران.
ثم رأتها.
في نهاية الممر، ظل يتحرك. امرأة، أو ما يشبهها، واقفة أمام آخر مرآة. القماش الأبيض كان ممزقًا قليلًا، والمرآة تلمع بضوء غريب، أزرق شاحب، كأنه يأتي من داخلها.
الظل استدار.
سلمى لم تستطع التنفس.
الوجه... وجهها. لكن الملامح كانت محطمة، كأن شخصًا رسمها ثم مسحها بعنف. العينان فارغتان، السواد يسيل منهما كالدموع.
الظل رفع يده، أشار إليها.
سلمى هربت.
الفصل الخامس: الصندوق
في الصباح، وجدت آخر رسالة:
اليوم هو اليوم. لا تفتحي الصندوق.
أرجوكِ، سلمى. لا تفعلي ما فعلتُه.
— س. الأخرى، أنتِ عام 1973
جلست على الأرض، ظهرها إلى الجدار، الرسالة ترتجف في يدها. 1973. بعد خمسين سنة من 1923. وخمسون أخرى من 1873.
الصدع الجيولوجي. الانعكاسات الزمنية. الحلقة.
كل شيء أصبح واضحًا ومرعبًا في آن.
لكن الفضول... الفضول كان أقوى.
صعدت إلى العلية. الصندوق المخملي الأحمر كان في الزاوية، مغلقًا بقفل نحاسي صغير. كسرته بحجر.
فتحته.
بداخله، مرآة. صغيرة، دائرية، بإطار فضي منقوش. سطحها لم يكن يعكس شيئًا. كان أسود تمامًا، كبئر عميقة.
لمستها.
الفصل السادس: الحلقة
الألم جاء كصاعقة. جسدها سُحب، ملتويًا، ممزقًا عبر شيء لا يمكن وصفه. سقطت.
حين فتحت عينيها، كانت في نفس الحجرة. لكن كل شيء كان مختلفًا. الجدران أفتح لونًا، الأثاث جديدًا، والضوء يتسلل من النافذة بزاوية غريبة.
نهضت، ترنحت نحو المكتب. فوقه، تقويم كُتب عليه:
عام 1973
صرخت، لكن لا صوت خرج.
فهمت الآن.
أمضت سنوات هناك. محاصرة. تحاول الكتابة، التحذير، إرسال الرسائل عبر الوقت. لكنها لم تستطع إيقافها. سلمى 1923 فتحت الصندوق. وسلمى 2023 ستفتحه أيضًا.
في النهاية، جلست على المكتب. أخرجت ورقة بيضاء. غمست القلم في الحبر.
كتبت:
عزيزتي سلمى،
لا تفتحي المرآة المغطاة في حجرتك...
ويداها كانتا ترتجفان، ودموعها تسقط على الورق، بينما الحلقة تغلق نفسها، مرة أخرى، إلى الأبد.
النهاية
